في خطوة تشريعية لافتة تعكس حساسية الوضع الاقتصادي في تونس، ناقشت أمس لجنة المالية والميزانية بالبرلمان مقترحات تعديل القانون الأساسي للبنك المركزي، في إطار مساعٍ حثيثة لإعادة التوازن للمالية العمومية ومواجهة تفاقم المديونية.
وتكمن أبرز النقاط التي من شأنها جذب انتباه التونسيين في هذا المشروع في التوجه نحو تمكين البنك المركزي من التدخل المباشر لتخفيض كلفة الدين، عبر آليات جديدة قد تؤدي إلى تقليص نسب الفائدة من مستويات تتراوح بين 9% و10% إلى حدود 1% فقط، وهو ما من شأنه تخفيف العبء بشكل كبير على ميزانية الدولة.
سياق اقتصادي ضاغط
تأتي هذه المقترحات في ظل وضع اقتصادي دقيق، حيث بلغت حاجيات تمويل الدولة لسنة 2026 حوالي 27 مليار دينار، مع تضاعف خدمة الدين إلى أكثر من 23 مليار دينار مقارنة بـ3.36 مليار فقط سنة 2011، وارتفاع نسبة المديونية إلى قرابة 80% من الناتج الداخلي الخام.
كما كشفت المعطيات أن 80% من القروض تُستخدم لسداد ديون سابقة، ما يعكس محدودية تأثير التداين على النمو الاقتصادي.
دور جديد للبنك المركزي
يقترح المشروع إعادة تموقع البنك المركزي ليشمل، إلى جانب استقرار الأسعار، دعم النمو الاقتصادي والتشغيل، مع تعزيز التنسيق بين السياسة النقدية والمالية.
ومن بين أبرز الإجراءات:
- السماح للبنك المركزي بشراء جزء من الدين العمومي
- اعتماد السندات الحكومية لإعادة تمويل البنوك
- إحداث آليات تمويل طويلة الأمد لفائدة خزينة الدولة
- إمكانية استخدام احتياطي العملة الأجنبية لتخفيف الضغط على الدين الخارجي
نتائج أولية مشجعة… ولكن
أشار أصحاب المبادرة إلى أن اللجوء إلى التمويل المباشر خلال 2024 و2025 ساهم في:
- خفض التضخم من 10% إلى حوالي 5%
- استقرار سعر صرف الدينار
- تحسين التصنيف السيادي
لكنهم أكدوا أن هذه الإجراءات تبقى ظرفية، ولا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بضعف النمو وغياب إصلاحات هيكلية.
تخوفات نيابية من التضخم
في المقابل، عبّر عدد من النواب عن مخاوفهم من أن يؤدي توسيع دور البنك المركزي إلى تمويل غير مباشر لعجز الميزانية، مما قد يخلق ضغوطًا تضخمية ويؤثر على استقرار الأسعار.
كما شددوا على ضرورة:
- الحفاظ على استقلالية البنك المركزي
- تجنب مزاحمة القطاع الخاص في التمويل
- توجيه التمويلات نحو الاستثمار المنتج لا النفقات الجارية
نحو نموذج اقتصادي جديد؟
في ختام الجلسة، اعتبرت اللجنة أن هذا المشروع يمثل فرصة مفصلية لإصلاح المنظومة النقدية والمالية، وبناء نموذج اقتصادي أكثر توازنًا، قائم على تقليص كلفة الدين وتعزيز السيادة الاقتصادية.
ويبقى الرهان الأساسي في قدرة هذه الإصلاحات على تحقيق المعادلة الصعبة: دعم المالية العمومية دون المساس باستقرار الاقتصاد.



