أمل الرفاعي
تتواصل في ولايتي سليانة وجندوبة عمليات مجابهة وتقييم آثار الحرائق التي شهدتها عدة مناطق خلال الأيام الأخيرة، في وقت تكثفت فيه تدخلات الحماية المدنية وأعوان الغابات والجيش الوطني، بالتوازي مع عمليات إجلاء للسكان في المناطق المهددة بالنيران. وفي أحدث المستجدات، نفّذت قوات الجيش الوطني 25 دورة إطفاء جوية للمساهمة في مقاومة الحرائق المندلعة بجبل برقو من ولاية سليانة، وذلك يومي 31 أوت و01 سبتمبر 2026.
وتوزعت عمليات الجيش بين 8 دورات إطفاء خلال ثلاث طلعات بطائرة C130 و3 دورات خلال طلعة بطائرة مروحية يوم 31 أوت، ثم 6 دورات خلال 3 طلعات بطائرة C130 و8 دورات خلال طلعتين بطائرة مروحية يوم 01سبتمبر.
جبل بولمان.. حريق متواصل لليوم السادس
يأتي هذا التدخل في إطار مجابهة حريق جبل بولمان بمنطقة مزاتة التابعة لمعتمدية برقو من ولاية سليانة، والذي كان متواصلاً لليوم السادس على التوالي في 1 سبتمبر، مع تسجيل توسع للنيران في اتجاه منطقة بلوطة بعين بوسعدية، وفق تصريح المندوب الجهوي للتنمية الفلاحية بسليانة جمال الفرشيشي لوكالة تونس إفريقيا للأنباء.
أوضح الفرشيشي أن بعض الجيوب النارية كانت في مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل البرية، وهو ما استدعى الاستعانة بالطائرات العسكرية لإخمادها. كما كانت الفرق تعمل على فتح طرائد نارية بواسطة آلة كاسحة بهدف الحد من تقدم النيران نحو المنازل الموجودة بمنطقة بلوطة.
وبحسب التقديرات والمعاينات الميدانية الأولية التي نقلها الفرشيشي في 1 سبتمبر، قد تتجاوز المساحة المحترقة ألفي هكتار من النسيج الغابي، مع التأكيد على أن الرقم النهائي كان لا يزال في انتظار المعاينة الرسمية الدقيقة. وشملت المساحات المتضررة أشجار الصنوبر الحلبي والزيتون.
في اليوم نفسه، أدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ زيارة ميدانية إلى منطقتي عين النشم والبحيرين بمعتمدية برقو، لمعاينة الأضرار التي خلفها حريق جبل بولمان. وأكد الوزير مواصلة دعم المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالموارد البشرية والوسائل اللازمة إلى حين السيطرة التامة على الحريق، على أن يتم لاحقاً تنفيذ برنامج لإعادة التشجير.
من جهته، أفاد الفرشيشي بأن الحريق انطلق من منطقة مزاتة وشمل عين بوسعدية وبلوطة قبل أن يمتد إلى حدود ولاية القيروان، أنه تم وضع الإمكانيات الوطنية والمعدات اللازمة على ذمة الجهة لمواصلة عمليات التدخل. كما أعلنت السلطات عن إجلاء 115 شخصا، دون تسجيل خسائر بشرية، وفق المعطيات المنشورة في 2 سبتمبر.
جندوبة.. 8 حرائق متزامنة
في ولاية جندوبة، شهدت مناطق مختلفة مساء السبت 29 أوت 2026 اندلاع ثمانية حرائق متزامنة، شملت غابات عين دراهم وفرنانة وجندوبة الشمالية وغار الدماء وبن بشير.
من جهتها، أفادت الإذاعة الوطنية يوم 30 أوت بأنه تمت السيطرة على الحرائق الثمانية، مؤكدة، نقلاً عن النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم علاء الغزواني، عدم تسجيل خسائر بشرية أو في صفوف الحيوانات، مع تسجيل أضرار مادية في عدد من المنازل والمستودعات.
وُصف حريق دوار البلاعدية بوادي غريب من معتمدية فرنانة بالأكبر،و تمت السيطرة عليه نهائياً، مع تسجيل تضرر منزلين وثلاثة مستودعات، فيما تقرر إيفاد لجنة لمعاينة الأضرار وجردها.
فيما يتعلق بأسباب الحرائق، لم تُحسم المسؤولية بشكل نهائي. وأوضح علاء الغزواني أن المعطيات الأولية تشير إلى إمكانية حدوث تماس كهربائي، فيما تم تشكيل لجنة لمعاينة الأضرار واستكمال التثبت في ملابسات الحرائق.
كما نقلت تقارير محلية تصريحات تفيد بأن بعض الحرائق قد تكون مرتبطة بعوامل مختلفة من منطقة إلى أخرى، وهو ما يجعل نتائج التحقيقات الرسمية هي الفيصل في تحديد الأسباب، ولا يسمح في الوقت الحالي بالجزم بأن جميع الحرائق تعود إلى سبب واحد.
من الإطفاء إلى إعادة التأهيل
من المتوقع أن تشمل الأيام القادمة تقييم الأضرار وإعادة تأهيل المناطق المتضررة وإعادة التشجير. في سليانة، أكد وزير الفلاحة التوجه نحو تنفيذ برنامج لإعادة التشجير بعد السيطرة على الحريق، بينما أوضح المدير العام للغابات في وقت سابق أن إعادة تأهيل الغابات يمكن أن تعتمد على التجدد الطبيعي لبعض الأصناف مثل الصنوبر الحلبي، أو إعادة التشجير بالنسبة إلى أصناف أخرى، بحسب طبيعة المنطقة المتضررة.
كما أفاد بن حاحا بأن استعادة التوازن الكامل للنظام البيئي الغابي بعد الحرائق قد تتطلب بين 30 و80 سنة، ما يعكس أن آثار هذه الحرائق تتجاوز الخسارة الآنية للأشجار والمساحات المحترقة إلى تداعيات بيئية طويلة الأمد.
وعليه، تتجه الأولويات في المرحلة القادمة إلى استكمال السيطرة على الجيوب النارية، تأمين السكان والممتلكات، استكمال جرد الخسائر، تحديد أسباب اندلاع الحرائق، ثم الانتقال إلى إعادة التشجير والتأهيل والوقاية. وتبرز في هذا السياق أهمية مواصلة دعم فرق الغابات والحماية المدنية بالموارد البشرية والمعدات، خاصة في ظل اتساع المساحات المتضررة خلال موسم 2026. وقد أظهرت معطيات الإدارة العامة للغابات أن عدد أعوان الغابات بلغ نحو 4000 عون سنة 2026 مقابل 14 ألفاً خلال 2022-2023، وفق تصريحات المدير العام للغابات لوكالة تونس إفريقيا للأنباء.
وبذلك، تكشف حرائق برقو وجندوبة عن تحدٍّ يتجاوز عمليات الإطفاء الظرفية، ليطرح مجدداً مسألة الوقاية، الجاهزية، حماية الثروة الغابية، وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، بالتوازي مع انتظار نتائج التحقيقات التي ستحدد أسباب الحرائق ومسؤولياتها.



