احتضنت قاعة الفن الرابع بالعاصمة مساء أمس الاثنين 30 مارس عرضا مسرحيا روسيا بعنوان “الليالي البيضاء”، وذلك ضمن فعاليات الدورة الرابعة لتظاهرة “تونس مسارح العالم” (27 مارس – 3 أفريل 2026)، التي تواصل تقديم أعمال مسرحية تونسية ودولية تستلهم قضايا إنسانية كونية ضمن مقاربات فنية متنوعة.
وهذا العمل، المقتبس عن نص الأديب الروسي “فيودور دوستويفسكي”، أخرجته الروسية “ناتاليا نيكولايفا” التي اختارت تقديمه بأسلوب كلاسيكي يحافظ على بنية النص الأصلية وروحه الرومانسية مع تركيز واضح على الباطن النفسي للشخصيات وتدرجها العاطفي.
وتدور أحداث المسرحية في سانت بطرسبرغ، حيث يتحول الفضاء إلى عنصر محرك للشخصيات مستفيدا من خصوصية “الليالي البيضاء” التي تميز هذه المدينة صيفا حيث يظل ضوء النهار قائما بصفة مسترسلة لمدة تناهز الأسبوع دون حلول الليل بظلمته الحالكة. وقد أسهمت السينوغرافيا في بناء هذا المناخ من خلال معالجة بصرية تقوم على التوازن بين الظل والنور، بما يعكس حالات التردد والأمل والانكسار التي تعيشها الشخصيات.
وفي هذا الإطار، يكتسب عنوان العمل “الليالي البيضاء” طابعا رمزيا تجاوز دلالته الطبيعية، إذ يحيل إلى حالة وسطى بين الواقع والحلم تعيشها الشخصيات في فضاء تتداخل فيه اليقظة بالخيال. كما يرمز إلى اللحظة العابرة التي تختزل تجربة الحب والعلاقات الإنسانية التي بدت قصيرة الأمد وهشة وقابلة للزوال.
ويرتكز العرض على مسار شاب منعزل يعيش في هامش المدينة، قبل أن يلتقي بفتاة تفتح أمامه أفقا عاطفيا جديدا عبر سلسلة من اللقاءات “الليلية” التي تتطور من التعارف إلى البوح بها. غير أن هذا التقارب يصطدم بواقع مغاير، إذ تظل الفتاة وفية لحب سابق لتنتهي العلاقة إلى خيبة تكشف حدود الحلم وتناقضاته.
وعلى مستوى المعالجة الركحية، جاء الإخراج منسجما مع الطابع الكلاسيكي للنص، حيث تم التركيز على الكلمة والإحساس الداخلي أكثر من الحركة مع إيقاع متدرّج ذا منحى تصاعدي يساير تطور العلاقة بين الشخصيات. وقد أتاح هذا الاختيار إبراز خصوصية الكتابة الدوستويفسكية القائمة على التحليل النفسي والتوتر بين لحظتيْ الحلم والواقع.
ويطرح العرض جملة من القضايا الإنسانية، من بينها الوحدة والاغتراب داخل الفضاء الحضري والحب غير المتكافئ وثقل الانتظار، إلى جانب سؤال القيمة الزمنية للحظة السعادة العابرة. وقد بدت هذه القضايا منسجمة مع رمزية “الليالي البيضاء” التي تعكس في الآن ذاته صفاء العاطفة ووهم الأمل في ضوء لا يبدد العزلة بقدر ما يكشفها.










